شرح مجاني مفتوح مسابقة إمام وخطيب ومدرس.، تخصص إمام. خطيب.

كتاب (الخريدة البهية) - الدرس السادس: الجائز في حقه تعالى ومسألة الأفعال (الجائزات، الرؤية، الكسب، والسببية العادية)

كتاب (الخريدة البهية) - الدرس السادس: الجائز في حقه تعالى ومسألة الأفعال (الجائزات، الرؤية، الكسب، والسببية العادية) ​ننتقل في هذا الدرس إلى المبحث الثالث من مباحث…

قراءة تقريبية: 4 دقيقة آخر تحديث: 2026/09/07

كتاب (الخريدة البهية) - الدرس السادس: الجائز في حقه تعالى ومسألة الأفعال (الجائزات، الرؤية، الكسب، والسببية العادية)
​ننتقل في هذا الدرس إلى المبحث الثالث من مباحث الإلهيات، وهو مبحث "الجائزات"، بعد أن فرغنا من الواجب والمستحيل في حقه تعالى. يدور هذا الدرس حول أفعال الله سبحانه وتعالى وعلاقتها بالمخلوقات، وضوابط رؤيته في الآخرة، ومسألة أفعال العباد (الكسب) التي تُعد من أمهات المسائل العقدية التي تمايزت فيها الفرق الإسلامية.
​أولاً: الجائز في حقه تعالى (مسألة الصلاح والأصلح)
​القاعدة الكبرى: يجوز في حق الله تعالى عقلاً (فِعْلُ كُلِّ مُمْكِنٍ أَوْ تَرْكُهُ). فالخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، وإثابة المطيع، وتعذيب العاصي، وإرسال الرسل، كلها من الجائزات العقلية التي تفضل الله بها رجحاناً من قدرته وإرادته، لا يجب عليه منها شيء ذاتياً.
​الرد على المعتزلة: قالت المعتزلة بوجوب "الصلاح والأصلح" على الله تعالى لعباده في الدنيا والآخرة، وقالت بوجوب إثابة المطيع وعقاب العاصي عقلاً.
​موقف الأشاعرة: رد أهل السنة على هذا القول، لأن إيجاب شيء على الله يتنافى مع طلاقة قدرته وإرادته وغناه المطلق، فالله لا يجب عليه شيء للمخلوقين، وإثابة المطيع محض فضل وكرم، وتعذيب العاصي محض عدل، لقوله تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}.
​ثانياً: رؤية الله تعالى في الآخرة
​حكمها العالي: رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة جائزة عقلاً، وواجبة واقعة نقلاً.
​الدليل العقلي على الجواز: العقل يقضي بأن "كل موجود يصح أن يُرى"، وبما أن الله تعالى موجود بذاته الصمدية، فإنه يصح عقلاً أن يُرى.
​الدليل النقلي على الوقوع: ثبتت الرؤية بصريح القرآن كقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}، وصحيح السنة المتواترة.
​ضابط الرؤية عند الأشاعرة: يرى المؤمنون ربهم في الجنة (بلا كَيْفٍ، ولا انْحِصَارٍ، ولا تَحَيُّزٍ في جِهة)؛ لأن رؤية المخلوق للمخلوق تشترط الجهة والمسافة والضوء والاتصال، أما رؤية الخالق سبحانه فهي انكشاف تام يخلقه الله في أبصار المؤمنين منزه عن صفات الأجسام.
​ثالثاً: أفعال العباد ومفهوم (الكسب)
افترقت الأمة في أفعال العباد الاختيارية (كالصلاة والمشي) إلى ثلاثة أقسام، اختار الأشاعرة منها التوسط:
​الجبرية: قالوا إن العبد مجبر كأوراق الشجر في الريح، ولا مشيئة له ولا قدرة (وهذا باطل لإنكاره بديهة الاختيار والمسؤولية).
​المعتزلة (القدرية): قالوا إن العبد هو الخالق لأفعاله الاختيارية استقلالاً بقدرة أودعها الله فيه (وهذا باطل لأنه يُثبت خالقاً مع الله).
​الأشاعرة (أهل السنة): قالوا إن الفاعل والخالق الحقيقي لكل فعل (اضطرارياً كان أو اختيارياً) هو الله تعالى وحده، لقوله: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}. أما العبد فله (الكَسْب).
​معنى الكسب: هو توجيه العبد لنيته وإرادته الحادثة نحو الفعل، فيخلق الله الفعل عنده (لا به) في تلك اللحظة. فالعبد لم يخلق الفعل، ولكنه كسبه بتوجيه إرادته، وعليه يقع الثواب والعقاب.
​رابعاً: نفي التأثير الذاتي للأسباب العادية (تحذير الإمام الدردير)
يربط الأشاعرة بين الوحدانية في الأفعال وبين بطلان مذهب "الطبائعيين" الذين ينسبون التأثير للأشياء بذاتها. وفي هذا يقول الإمام الدردير أبياتاً شهيرة قسّم فيها الناس إلى أربعة أحوال:
​مَن قال بالطبع أو بالعلة (كفر): من اعتقد أن النار تحرق بطبيعتها وذاتها، أو أن الطعام يشبع بعلته الذاتية مستقلّاً عن الله، فهو كافر بإجماع أهل الملة.
​مَن قال بالقوة المودعة (بدعة وفَسَق): من اعتقد أن النار تحرق بقوة وعبر ميكانيكية أودعها الله فيها بحيث أصبحت تؤثر تلقائياً، فهو مبتدع فـاسق، لأنه لم يفهم حقيقة التوحيد في الأفعال.
​الموحد الحق: من اعتقد أن المؤثر الحقيقي في الكائنات هو الله وحده، وأن الارتباط بين الأسباب (كالنار) والمسببات (كالإحراق) هو مجرد (اقتران عادي خلقه الله) يقبل التخلف، فإذا شاء الله سلب التسمية والأثر، كما جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم عليه السلام.

حوّل الشرح إلى تدريب عملي

اختبر نفسك على هذا الدرس

ابدأ الاختبار المرتبط