كتاب (الحق المبين في الرد على من تلاعب بالدين) | الدرس السادس: المفهوم الصحيح للجهاد في مواجهة تشويه التطرف
يُعد اختطاف مصطلح "الجهاد" النتيجة العملية والميدانية لمسلسل الأوهام المتطرفة التي تبدأ بالحاكمية والجاهلية. يوضح هذا الدرس كيف شوهت هذه الجماعات مقاصد الشريعة، ويعقد مقارنة علمية دقيقة بين سعة أفق علماء الأمة وضيق وعي المتطرفين الدموي.
أولاً: اختطاف مصطلح "الجهاد" وتحويله للصدام
القفز إلى السلطة: بعد أن تورطت التيارات المتطرفة في مستنقع تكفير المسلمين، ووصموهم بالجاهلية والشرك، انتقلوا مباشرة لاستلاب مهام الحكام، وحصروا هدفهم في نزع مقاليد الحكم وإنشاء كيان سياسي بديل.
تزوير المسميات: جزم هؤلاء بحتمية الصدام مع المجتمعات، وقاموا بأعمال دموية ضدها، ثم أطلقوا على هذا العدوان ظلماً وعدواناً اسم "الجهاد".
تشويه مقاصد الشريعة: الجهاد الذي شرعه الله هو عمل واسع وراقٍ، محكوم بمنظومة قيم حاكمة تمنع إهلاك شاة أو قطع شجرة، ومقصده الأساسي الهداية وإحياء النفوس. أما التطبيقات المشوهة للمتطرفين فقد رسخت في الأذهان تصوراً مغرقاً في القبح والظلامية، وحولت الشرع في أعين الناس إلى شقاء.
ثانياً: القياس على حديث "أفتَّانٌ أنت يا معاذ؟"
المنفرون من الدين: استدل المؤلف بحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه، حين أطال معاذ بن جبل قراءة القرآن في الصلاة، فترك رجل الصلاة واشتكى للنبي ﷺ، فغضب النبي وقال: "يا معاذ! أفتَّانٌ أنت؟" وكررها ثلاثاً.
خطورة الاستقلال بالتطبيق: البيان النبوي يوضح أن استقلال الإنسان بتطبيق الشرع بطريقة تُثقل على الناس هو عمل خطير يُسمى "فتنة".
من إطالة الصلاة إلى إراقة الدماء: يتساءل المؤلف: إذا كان هذا العتاب الشديد في أمر محبوب كالصلاة، فكيف بمن كفّر الناس، وحمل عليهم السلاح واستباح دماءهم، ثم سمى عمله هذا جهاداً؟. النبي ﷺ اعتبر تجاوز الحد في استخدام ماء الوضوء "إساءة وظلماً"، فكيف بمن يُطيح بالرقاب ويروع الآمنين بمنتهى الفوضوية؟.
ثالثاً: الانحراف التكفيري عند صالح سرية
تغيير الحكومات بالدم: ادعى صالح سرية في كتابه (رسالة الإيمان) أن "الجهاد لتغيير هذه الحكومات وإقامة الدولة الإسلامية فرض عين على كل مسلم ومسلمة".
تكفير الجيوش والمؤسسات: زعم أن من مات دفاعاً عن هذه الحكومات فقد مات "ميتة جاهلية"، وأنهم كفار إلا إذا كانوا مكرهين. هذا التحول جعل الجهاد أداة للتكفير والعدوان المباشر على الناس.
رابعاً: مقارنة منهجية (علماء الأمة مقابل المتطرفين)
عقد المؤلف مقارنة حاسمة تبرز البون الشاسع بين فقه الأمة وضلال التطرف:
اتساع المفهوم مقابل اختزاله:
العلماء: الجهاد شأن شريف يتحقق بصور متعددة (بالقلب، بالدعوة، بالبيان والحجة)، وقد تتحتم الحاجة فيه إلى القتال عند الصراع.
المتطرفون: اختزلوا الجهاد في القتال والقتل فقط.
الوسيلة مقابل الغاية:
العلماء: الجهاد وسيلة وليس غاية تُقصد لذاتها، بل هو وسيلة لتحصيل أحكام أخرى (كما قرر الإمام الطاهر بن عاشور، والإمام الرملي الذي نص على أن الجهاد قد يحصل بإحكام الحصون والخنادق).
المتطرفون: القتال عندهم غاية مقصودة لذاتها.
الهداية مقابل سفك الدماء:
العلماء: المقصد الأعظم هو الهداية. قال الإمام التقي السبكي: "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم... فإن أمكن ذلك بالعلم والمناظرة فهو أفضل، ومن هنا نأخذ أن مداد العلماء أفضل من دم الشهداء". وقال العز بن عبد السلام: "إن الوسائل تسقط بسقوط مقاصدها".
المتطرفون: القتال عندهم أهوج لا تحكمه حكمة ولا عقل، يرتكبون المذابح ويسمونها جهاداً، فيصدون الناس عن دين الله.
الحكم الشرعي مقابل الحماسة الفوضوية:
العلماء: الجهاد حكم شرعي تكليفي (قد يكون واجباً، أو مندوباً، أو حتى حراماً) يخضع لتقدير المآلات وضوابط الشريعة.
المتطرفون: عملهم تحركه حماسة واندفاع، ينبع من أهواء ونفوس مريضة بشهوة القتل والتسلط.
خامساً: شذوذ رأي سيد قطب (بشهادة القرضاوي)
شهادة من الداخل: في كتاب (ابن القرية والكتاب)، أقرّ يوسف القرضاوي بأن رأي سيد قطب في الجهاد هو "أضيق الآراء وأشدها في الفقه الإسلامي"، وأنه مخالف لاتجاه كبار الفقهاء والدعاة المعاصرين.
اتهام علماء الأمة: أنكر القرضاوي على قطب اتهامه لمعارضيه من علماء العصر بأمرين:
السذاجة والغفلة والْبَلَه (أي القصور العقلي والمعرفي)
الوهن والضعف النفسي أمام ضغط الواقع الغربي وتأثير الاستشراق الماكر.
الاستعلاء على القامات: من ضمن هؤلاء العلماء الذين اتهمهم قطب بالهزيمة النفسية لتبرير شذوذه الفكري: محمد عبده، رشيد رضا، محمود شلتوت، محمد أبو زهرة، محمد الغزالي، وعبد الله بن زيد آل محمود وغيرهم، ما يكشف حجم الاستعلاء ورفض إجماع علماء الأمة.