كتاب (الحق المبين في الرد على من تلاعب بالدين) | الدرس الثامن: مفهوم "الوطن" بين الغريزة النبيلة وتشويه التطرف
بعد أن غرقت التيارات المتطرفة في مستنقع تكفير المسلمين، وادعاء الجاهلية، واحتكار الوعد الإلهي، أنتجت في أذهان أتباعها صورة مشوهة ومبتورة تماماً عن "الوطن". هذا الدرس يعقد مقارنة حاسمة بين الصورة المشوهة للوطن في عقلية التطرف، وبين الصورة الصحيحة في الفكر الإسلامي وعقلية الأزهر الشريف.
أولاً: صورة الوطن المشوهة في ذهن التيارات المتطرفة
استخرجت التيارات والجماعات الإسلامية في الثمانين عاماً الماضية تصوراً سقيماً ومختنقاً للوطن، نتيجة افتقادها لأدوات الفهم الصحيح، وتعرضها للضغوط النفسية. وقد تركزت صورتهم المريضة عن الوطن في عدة أمور:
الوطن حفنة تراب: يعتبرون الوطن مجرد "حفنة من تراب لا قيمة لها".
حب الوطن انفعال سخيف: ينظرون إلى الارتباط بالوطن ومقاومة المحتل على أنه انفعال بشري سخيف يجب البراءة منه، ويشبهونه بميل الإنسان للمعاصي والشهوات!
رفض فكرة الوطن: يرفضون الأوطان لصالح فكرة "الخلافة" أو "الأمة".
الحدود الجغرافية: يعتبرون الأوطان بحدودها الحالية مجرد صنيعة للاستعمار فلا يجب محبتها ولا التعامل معها.
حصر الوطن في تطبيق الشريعة: الوطن عندهم هو فقط المساكن التي يرضون عنها، والتي تُطبق فيها الشريعة وفق منظورهم المتطرف.
ثانياً: تنظيرات سيد قطب في احتقار الأوطان
رسخ سيد قطب في كتابه "في ظلال القرآن" هذه النظرة العدمية للوطن، وكتب عبارات بالغة الخطورة:
الراية هي العقيدة: يقول قطب: "إن راية المسلم التي يحامي عنها هي عقيدته.. ووطنه الذي يجاهد من أجله هو البلد الذي تقام شريعة الله فيه.. وما عدا ذلك فهو تراب حفنة من تراب".
احتقار مكونات الدولة: يقول محتقراً مقومات الدول: "ويرى بين تلك القمة السامقة والسفوح الهابطة صخوراً متردية، وهنا وهناك، من الدهاء، والمراء، والسياسة، والكياسة، والبراعة، والمهارة، ومصلحة الدولة، ومصلحة الوطن، ومصلحة الجماعة.. إلى آخر الأسماء والعنوانات.. فإذا دقق الإنسان فيها النظر رأى من تحتها الدود!!".
الوطن وثن جاهلي: يدعي أن الناس اليوم يقيمون آلهة يسمونها "القوم" و"الوطن" و"الشعب"، ويعتبر أن هذه الأسماء لا تعدو أن تكون "أصناماً غير مجسدة كالأصنام الساذجة التي كان يقيمها الوثنيون".
تدمير الروابط البشرية: يصرح بأن روابط الدم، والنسب، والأرض، والقوم، واللون، واللغة، والتاريخ المشترك، كلها "روابط جاهلية" ومخالفة عميقة عن أصل التصور الإسلامي.
ثالثاً: الرد العلمي والأزهري (تفكيك هذا التشويه)
يرد المؤلف على هذه الأفكار الهدامة بعدة تعقيبات تكشف الخلل الفكري العميق:
الاختزال المخل: تصوير قطب للوطن بأنه (حفنة تراب) هو اختزال جاهل؛ فالوطن في الحقيقة ليس حفنة تراب، بل هو "شعب، وحضارة، ومؤسسات، وتاريخ، وانتصارات، وقضايا، ومكانة إقليمية ودولية"، ورجال عباقرة صنعوا تاريخاً في مجالات العلم والاقتصاد والدبلوماسية. اختزال كل هذا في تراب يمثل عقوقاً وطنياً وفهماً مجتزئاً.
الخلط بين المشاعر النبيلة والآثمة: مقارنة حب الوطن بميل الإنسان للمعاصي هو فهم سقيم وخلط غريب؛ فحب الوطن غريزة فطرية نبيلة لا يصح قمعها، والشرع الشريف لا يصطدم بالفطرة بل يرعاها ويوجهها.
إجماع العلماء على حب الوطن:
أبو حامد الغزالي: قال في كتاب الإحياء: "ولكن من بواعث الطباع الممدوحة على الإيجاب؛ لأن قوام الدنيا بهذه الأسباب، وقوام الدين موقوف على قوام أمر الدنيا ونظامها لا محالة". فالإنسان مجبول فطرياً على حب أرضه.
الإمام الدينوري: روى في كتاب (المجالسة وجواهر العلم) عن أصمعي قال: سمعت أعرابياً يقول: "إذا أردت أن تعرف الرجل فانظر كيف تحننه إلى أوطانه".
شذوذ قطب النفسي: يقرر قطب أن الشعور الفطري بالوطن هو "هاجس الأسى لمفارقة الوطن"، ويعتبره نداءً يجب كبته، وهذا يُعد مرضاً نفسياً وكبتاً لغريزة طبيعية خلقها الله.
رابعاً: نماذج الأنبياء في حب الأوطان (نقض الفكر القطبي)
سيدنا موسى عليه السلام: عندما خرج من مصر هارباً بدينه من ظلم فرعون، استمر قلبه معلقاً بوطنه (مصر) الذي آواه، ولم يعتبرها "تراباً" رغم طغيان حاكمها.
سيدنا يوسف عليه السلام: لم يتخذ من وثنية ملك مصر حجة لتدمير البلد أو اعتزاله، بل سارع لتقديم خبرته لإنقاذ وطنه والمجتمع المصري من المجاعة، فكان حبه للبلد دافعاً للعمران.
سيدنا محمد ﷺ: ضرب أروع الأمثلة في حبه لمكة وتألمه لفراقها، ودعائه للمدينة، مما ينسف فكرة أن الارتباط بالأرض "جاهلية" أو "وثن".
الخلاصة: إن الانتماء مكوّن راسخ من مكونات الفعل البشري، والشرع الشريف لم يأتِ لقتله أو تجاهله، بل جاء لتهذيبه. أما رفض الأوطان لصالح "خلافة" موهومة فهو مجرد تلاعب بمصطلحات الدين يؤدي لضياع الأوطان وتمزيق الشعوب