كتاب (الخريدة البهية) - الدرس الثامن: النبوات (المعجزات، خوارق العادات، وخاتمية الرسالة)
نواصل رحلتنا في مبحث النبوات من منظومة الخريدة البهية. بعد أن عرفنا ما يجب ويستحيل ويجوز في حق الرسل، يبرز سؤال عقلي هام: كيف نميز النبي الصادق من مدعي النبوة الكاذب؟ الجواب يكمن في "المعجزة". في هذا الدرس، يُفصل الإمام الدردير أنواع "خوارق العادات"، ويضع الفروق الدقيقة بين المعجزة، والكرامة، والسحر، ليختم ببيان خاتمية رسالة نبينا محمد ﷺ.
أولاً: المعجزة (تعريفها وشروطها)
تعريف المعجزة: هي أمرٌ خارقٌ للعادة، يظهره الله تعالى على يد مُدَّعي النبوة، تصديقاً له في دعواه، مَقْرونٌ بالتحدي، وسالمٌ من المعارضة (أي يعجز المنكرون عن الإتيان بمثله).
شروط المعجزة خمسة:
أن تكون خرقاً للسنن الكونية العادية (كشق القمر، أو نبع الماء من بين الأصابع).
أن تكون من أفعال الله تعالى (فالنبي لا يخلق المعجزة، بل الله يخلقها على يده).
أن تقترن بدعوى النبوة.
أن توافق الدعوى (فلو ادعى إحياء الميت، فنطق الميت وقال: "هذا كاذب"، لم تكن معجزة).
ألا يتمكن الخصوم من معارضتها والإتيان بمثلها.
ثانياً: التفريق بين خوارق العادات (مصطلحات عقدية دقيقة)
الأمور التي تخرق العادة (السنن الطبيعية) تنقسم بحسب من تظهر على يده إلى ستة أقسام:
المُعْجِزَة: تظهر على يد (النبي) تصديقاً لرسالته ومقرونة بالتحدي.
الْكَرَامَة: تظهر على يد (وَلِيٍّ صالح) غير مدعٍ للنبوة، إكراماً له من الله. والولي هو العارف بالله المطيع له. (إثبات كرامات الأولياء حق عند أهل السنة).
الإِرْهَاص: يظهر على يد (النبي قَبْلَ بَعْثَتِه) تأسيساً وتمهيداً لنبوته (كتظليل الغمام للنبي ﷺ قبل البعثة).
المَعُونَة: تظهر على يد (رجل من عوام المسلمين) تخليصاً له من مشقة أو كربة عند اللجوء إلى الله.
الِاسْتِدْرَاج: خارق للعادة يظهر على يد (كافر أو فاسق مدعٍ للألوهية أو الكفر)، ويكون الخارق موافقاً لمراده ومطلوبه، مكراً به ليزداد طغياناً (كمعجزات المسيح الدجال).
الإِهَانَة (أو الخذلان): خارق للعادة يظهر على يد (مدعٍ كاذب للنبوة)، ولكنه يأتي مخالفاً لمراده تكذيباً له (كما بصق مسيلمة الكذاب في بئر قليل الماء ليكثر ماؤه كفعل النبي ﷺ، فغار ماء البئر وجف تماماً).
السحر والشعوذة: ليسا من خوارق العادات الحقيقية، بل هما تخييل وخداع للحواس، أو استخدام لأسباب خفية (كالجن والطلاسم)، ويمكن معارضته وإبطاله بسحر أقوى منه.
ثالثاً: عصمة الأنبياء (تأكيد التفاصيل)
يقرر المذهب الأشعري أن الأنبياء والرسل معصومون من الكفر، والكبائر، والصغائر الخسيسة الدنيئة (قبل النبوة وبعدها). فلا يُتصور أن يُبعث نبي كان يسجد لصنم في صباه، لأن ذلك يُسقط مهابته ويُنفّر الناس عن اتباعه.
أما الصغائر غير المخلة بالمروءة، فقد تقع منهم نسياناً أو خطأً في التأويل (وتُسمى زلات)، ويُنبههم الله عليها فوراً فيتوبون منها وتُرفع درجاتهم.
رابعاً: خاتمية الرسالة المحمدية وعمومها
خاتم النبيين: سيدنا محمد ﷺ هو خاتم الأنبياء والرسل، فلا نبي ولا رسول بعده، ونسخت شريعته ما قبلها من الشرائع.
عموم البعثة: بُعث النبي ﷺ للثقلين (الإنس والجن) كافة، في كل زمان ومكان إلى يوم القيامة، بينما كان الأنبياء قبله يُبعثون لأقوامهم خاصة وفي أزمنة محددة.
المعجزة الخالدة: معجزات الأنبياء السابقين كانت حسية مؤقتة انقضت بموتهم (كعصا موسى). أما معجزة نبينا الكبرى فهي عقلية بيانية خالدة (القرآن الكريم)، تحدى الله به الإنس والجن أن يأتوا بسورة من مثله، فبقي حجة قاطعة إلى قيام الساعة.
شرح مجاني مفتوح
مسابقة إمام وخطيب ومدرس.، تخصص إمام. خطيب.
كتاب (الخريدة البهية) - الدرس الثامن: النبوات (المعجزات، خوارق العادات، وخاتمية الرسالة)
كتاب (الخريدة البهية) - الدرس الثامن: النبوات (المعجزات، خوارق العادات، وخاتمية الرسالة) نواصل رحلتنا في مبحث النبوات من منظومة الخريدة البهية. بعد أن عرفنا ما يجب…
قراءة تقريبية: 3 دقيقة
آخر تحديث: 2026/09/07
حوّل الشرح إلى تدريب عملي
اختبر نفسك على هذا الدرس
ابدأ الاختبار المرتبطشروحات مرتبطة
كتاب (الحق المبين في الرد على من تلاعب بالدين) | الدرس السادس: المفهوم الصحيح للجهاد في مواجهة تشويه التطرف
تخصص إمام. خطيب.
كتاب (الحق المبين في الرد على من تلاعب بالدين) | الدرس العاشر: الرؤية الأزهرية لتجديد الخطاب الديني وبناء العقل المسلم
تخصص إمام. خطيب.
كتاب (الحق المبين في الرد على من تلاعب بالدين) | الدرس التاسع: المقاصد الكلية للشريعة في مواجهة أدوات التدمير
تخصص إمام. خطيب.
كتاب (الحق المبين في الرد على من تلاعب بالدين) | الدرس الثامن: مفهوم "الوطن" بين الغريزة النبيلة وتشويه التطرف
تخصص إمام. خطيب.
كتاب (الحق المبين في الرد على من تلاعب بالدين) | الدرس السابع: مفهوم "التمكين" بين فقه العمران ووهم السلطة
تخصص إمام. خطيب.
كتاب (الحق المبين في الرد على من تلاعب بالدين) | الدرس الخامس: احتكار الوعد الإلهي والاستعلاء بـه
تخصص إمام. خطيب.