كتاب (القول المبين في سيرة سيد المرسلين) - الدرس السابع: العهد المدني (غزوة الأحزاب وبداية الانفتاح)
نصل في هذا الدرس إلى مرحلة بالغة الدقة من السيرة النبوية، حيث تكالبت قوى الشرك واليهود لاستئصال شأفة الإسلام من جذورها في "غزوة الأحزاب"، ثم كيف انقلبت الموازين بفضل الثبات والتخطيط المتقن، لتبدأ مرحلة جديدة من الانفتاح السياسي والدعوي تتوجت بـ "صلح الحديبية".
أولاً: مآسي الغدر وإجلاء بني النضير (4 هـ)
فاجعتا الرجيع وبئر معونة: بعد أُحد، طمعت بعض القبائل في المسلمين، فاستدرجت قبائل (عضل والقارة) و (رعل وذكوان وعصية) مجموعة من كبار الصحابة القراء (حفظة القرآن) بحجة تعليمهم الإسلام، وغدروا بهم وقتلوهم (حوالي 70 قارئاً). حزن النبي ﷺ حزناً شديداً، وقنت شهراً كاملاً يدعو على هذه القبائل.
غزوة بني النضير (4 هـ): ذهب النبي ﷺ إلى يهود بني النضير (في المدينة) يطلب مساهمتهم في دية قتيلين حسب وثيقة المدينة. فاستقبلوه بالترحاب، وأضمروا الغدر، وتآمروا على إلقاء صخرة عليه من فوق الجدار. فنزل الوحي يخبره بمكرهم، فقام مسرعاً وعاد للمدينة. وجهز جيشاً وحاصرهم، فاستسلموا ووافقوا على الجلاء (الخروج من المدينة) بشرط أن يحملوا ما أقلت الإبل إلا السلاح. ونزلت فيهم سورة (الحشر).
ثانياً: غزوة الأحزاب / الخندق (شوال 5 هـ)
السبب والتحالف: بعد جلاء بني النضير واستقرارهم في خيبر، خرج زعماؤهم (وعلى رأسهم حُيي بن أخطب) لتحريض قبائل العرب. فاستجابت قريش وغطفان وقبائل أخرى، وتكون جيش عرمرم قوامه (10,000 مقاتل) بقيادة أبي سفيان، زاحفاً نحو المدينة لاستئصال المسلمين.
الشورى وخطة الخندق: علم النبي ﷺ بقدومهم، فعقد الشورى. فأشار الصحابي الجليل سلمان الفارسي بخطة غير مألوفة عند العرب، وهي حفر (خندق) في الجهة الشمالية المكشوفة من المدينة، بينما تحمي الجبال والحرات الجهات الأخرى. وشارك النبي ﷺ بنفسه في الحفر ورفع التراب مع الصحابة وهم يرتجزون الأناشيد لرفع الروح المعنوية.
الموقف الحرج وخيانة بني قريظة: وصل الأحزاب وفوجئوا بالخندق، فحاصروا المدينة حوالي شهر. وفي أشد أوقات الحصار والبرد والجوع، نجح (حُيي بن أخطب) في إقناع زعيم يهود بني قريظة (كعب بن أسد) داخل المدينة بنقض العهد والانضمام للأحزاب. فأصبح المسلمون بين فكي كماشة (الأحزاب من الخارج، وقريظة من الداخل)، وبلغت القلوب الحناجر كما وصف القرآن.
الانفراجة والنصر الإلهي: أسلم رجل من غطفان يُدعى (نُعيم بن مسعود)، ولم يعلم أحد بإسلامه، فاستأذن النبي ﷺ في إيقاع الفتنة بين الأحزاب، فسمح له النبي ﷺ قائلاً: (الحرب خدعة). ونجح نعيم بذكائه في بث الشك بين قريش وبني قريظة. ثم أرسل الله ريحاً عاصفة باردة اقتلعت خيام المشركين وكفأت قدورهم، وجنداً من الملائكة ألقوا الرعب في قلوبهم، فانسحب أبو سفيان وولوا هاربين.
ثالثاً: غزوة بني قريظة (ذو القعدة 5 هـ)
التحرك الفوري: ما إن عاد النبي ﷺ من الخندق ووضع سلاحه، حتى أتاه جبريل يأمره بالتوجه لقتال بني قريظة الخونة، فنادى في أصحابه: (لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ).
الحصار والتحكيم: حاصرهم المسلمون 25 ليلة حتى استسلموا، وطلبوا أن يحكم فيهم سعد بن معاذ (سيد الأوس وحليفهم القديم). وكان سعد قد أُصيب في الخندق، فحُمل إليهم. وحكم فيهم بقتل المقاتلة وسبي النساء والذراري، جزاءً لخيانتهم العظمى وقت الحرب التي كادت تبيد الدولة بأكملها. فقال النبي ﷺ: (لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ).
رابعاً: صلح الحديبية (ذو القعدة 6 هـ) - الفتح المبين
الرؤيا والخروج: رأى النبي ﷺ في منامه أنه وأصحابه يدخلون المسجد الحرام آمنين محلقين ومقصرين (ورؤيا الأنبياء وحي). فخرج بـ (1400) من الصحابة قاصدين العمرة لا الحرب، وساقوا الهدي، وأحرموا ليؤكدوا سلمية مسيرهم.
المنع والتفاوض: منعت قريش المسلمين من الدخول، وبركت ناقة النبي ﷺ (القصواء) في الحديبية، فقال: (حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ). وأرسل النبي ﷺ عثمان بن عفان سفيراً لقريش ليوضح لهم الهدف، فاحتبسته قريش وأُشيع أنه قُتل.
بيعة الرضوان: لما بلغ النبي ﷺ مقتل عثمان، دعا الصحابة للبيعة على القتال والموت وعدم الفرار. فبايعوه تحت الشجرة (ونزل فيها: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة). ولما علمت قريش بالبيعة خافت، وأرسلت (سُهيل بن عمرو) للصلح.
بنود الصلح: تم الاتفاق على: هدنة لمدة 10 سنوات، وأن يعود المسلمون هذا العام ويعتمروا العام القادم (عمرة القضاء)، ومن أتى محمداً مسلماً من قريش رده إليهم، ومن أتى قريشاً مرتداً لا يردونه، ومن شاء الدخول في حلف محمد دخل، ومن شاء الدخول في حلف قريش دخل.
حكمة أم سلمة والنتيجة: شق الصلح وبنوده (الظالمة ظاهرياً) على الصحابة، وخاصة عمر بن الخطاب. ولما أمرهم النبي ﷺ بالنحر والحلق تباطؤوا حزناً، فأشارت عليه زوجته الحكيمة أم سلمة أن يخرج وينحر ويحلق ولا يكلم أحداً، ففعل، فتبعه الصحابة فوراً. وقد سمى الله هذا الصلح (فتحاً مبيناً)؛ لأنه أوقف الحرب، وأتاح للمسلمين نشر الدعوة بحرية، فدخل في الإسلام في سنتين أكثر ممن دخل فيه منذ البعثة، وانفتح الباب للمراسلات الدبلوماسية مع ملوك الأرض.
شرح مجاني مفتوح
مسابقة إمام وخطيب ومدرس.، تخصص إمام. خطيب.
كتاب (القول المبين في سيرة سيد المرسلين) - الدرس السابع: العهد المدني (غزوة الأحزاب وبداية الانفتاح)
كتاب (القول المبين في سيرة سيد المرسلين) - الدرس السابع: العهد المدني (غزوة الأحزاب وبداية الانفتاح) نصل في هذا الدرس إلى مرحلة بالغة الدقة من السيرة النبوية، حيث…
قراءة تقريبية: 5 دقيقة
آخر تحديث: 2026/09/07
حوّل الشرح إلى تدريب عملي
اختبر نفسك على هذا الدرس
ابدأ الاختبار المرتبطشروحات مرتبطة
كتاب (الحق المبين في الرد على من تلاعب بالدين) | الدرس السادس: المفهوم الصحيح للجهاد في مواجهة تشويه التطرف
تخصص إمام. خطيب.
كتاب (الحق المبين في الرد على من تلاعب بالدين) | الدرس العاشر: الرؤية الأزهرية لتجديد الخطاب الديني وبناء العقل المسلم
تخصص إمام. خطيب.
كتاب (الحق المبين في الرد على من تلاعب بالدين) | الدرس التاسع: المقاصد الكلية للشريعة في مواجهة أدوات التدمير
تخصص إمام. خطيب.
كتاب (الحق المبين في الرد على من تلاعب بالدين) | الدرس الثامن: مفهوم "الوطن" بين الغريزة النبيلة وتشويه التطرف
تخصص إمام. خطيب.
كتاب (الحق المبين في الرد على من تلاعب بالدين) | الدرس السابع: مفهوم "التمكين" بين فقه العمران ووهم السلطة
تخصص إمام. خطيب.
كتاب (الحق المبين في الرد على من تلاعب بالدين) | الدرس الخامس: احتكار الوعد الإلهي والاستعلاء بـه
تخصص إمام. خطيب.