كتاب (تفسير النسفي) - جزء عم - الدرس الرابع
1. تفسير سورة الأعلى (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى):
تنزيه الله وقدرته: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) نزّه ربك عن كل نقص، (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى) خلق الأشياء فسواها وأتقنها. (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) قدر لكل كائن وظيفته ورزقه وهداه لمعاشه. (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى) أنبت العشب الأخضر، (فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى) فصيره بعد خضرته هشيماً جافاً يابساً أسود (أحوى) يطير به الهواء، وهذا مثل لزوال الدنيا.
البشارة بحفظ القرآن: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى) بشارة للنبي ﷺ بأن الله سيحفظ عليه القرآن في صدره فلا ينساه أبداً، (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) أي إلا ما أراد الله أن ينسيك إياه بنسخ تلاوته.
التذكير والموعظة: (فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى) ذكّر بالقرآن حيث ترجو النفع. (سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى) سيتعظ من يخاف الله، (وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى) يبتعد عن الموعظة الكافر الشقي، (الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى) لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة تنفعه أو تسره.
أسباب الفلاح: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى) فاز من طهر نفسه من الشرك (وقيل عند الحنفية: أخرج زكاة الفطر)، (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) وكبّر للصلاة (وقيل: صلاة العيد).
حقيقة الدنيا: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) تفضلونها على الآخرة، (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) أفضل وأدوم. (إِنَّ هَذَا) أي ما ذُكر من الفلاح لمن تزكى، (لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى).
2. تفسير سورة الغاشية (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ):
الغاشية: من أسماء يوم القيامة، لأنها تغشى الناس بأهوالها وتغطيهم.
حال الأشقياء: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ) ذليلة مهانة، (عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ) تعبت ونصبت في الدنيا بعمل باطل (كعبادة الأصنام) لم تُؤجر عليه فدخلت النار، أو تتعب في جر السلاسل في النار. (تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ) عين ماء متناهية في شدة الغليان. (لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ) نبت ذو شوك سام لا تأكله البهائم، (لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ).
حال السعداء: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ) ذات بهجة وحسن، (لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ) راضية بعملها في الدنيا لما رأت ثوابه. (فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً) كلمة لغو أو باطل.
نعيم الجنة: (فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ) عالية ليرى المؤمن مُلكه، (وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ) كؤوس معدة للشرب، (وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ) وسائد يتكئون عليها، (وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ) بسط ومفارش فاخرة منتشرة في المجالس.
التفكر في الكون: (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) خُصت الإبل لأن العرب أعرف بها، وهي عجيبة في تحمل العطش وقوتها. (وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ).
وظيفة الرسول: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ) لست بمسلط عليهم لتجبرهم على الإيمان، (إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ... * إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ) رجوعهم بالموت والبعث، (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ).
3. تفسير سورة الفجر (وَالْفَجْرِ):
الأقسام الإلهية: (وَالْفَجْرِ) وقت الفجر، (وَلَيَالٍ عَشْرٍ) العشر الأوائل من ذي الحجة لفضلها. (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) الزوج والفرد (الوتر هو الله، والشفع هو خلقه، أو صلاة الشفع والوتر). (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ) إذا يمضي.
هلاك الطغاة: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ) قبيلة عاد أصحاب الخيام والأعمدة الضخمة، (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ) في قوتهم وطولهم. (وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ) قطعوا ونحتوا الصخر وبنوا بيوتاً. (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ) صاحب الجنود أو الذي يعذب الناس بربطهم بالأوتاد. هؤلاء طغوا وأفسدوا، (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) يراقب أعمال العباد ليجازيهم.
مفهوم الابتلاء الخاطئ عند الإنسان: (فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ) يظن أن الغنى لكرامته عند الله. (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ) ضيّق عليه الرزق، (فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) يظن الفقر إهانة.
الرد الإلهي وجرائم البشر: (كَلَّا) ليس الغنى كرامة ولا الفقر إهانة بل كلاهما اختبار. (بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ) الميراث (أَكْلاً لَّمّاً) شديداً تأكلون حقكم وحق غيركم كالنساء والضعفاء، (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً) كثيراً مع حرص.
مشهد الحساب والندم: (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً) زلزلت وسويت. (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً) إتياناً يليق بجلاله، والملائكة صفوفاً. (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ) تُجر بسبعين ألف زمام. (يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى) يتعظ ولكن لا ينفعه ذلك الوقت. (يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) لحياتي الدائمة في الآخرة.
الجزاء الأوفى: (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ). أما المؤمن: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) الآمنة المطمئنة بذكر الله ووعده، (ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً) راضية بالثواب، مرضية عند الله، (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي).