كتاب (تفسير النسفي) - جزء عم - الدرس الخامس
1. تفسير سورة البلد (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ):
القَسَم بمكة: (لَا أُقْسِمُ) (لا) هنا صلة لتأكيد القسم، المعنى: أقسم (بِهَذَا الْبَلَدِ) مكة المكرمة لشرفها. (وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ) مباح لك أن تصنع فيه ما تشاء من قتل وأسر يوم الفتح (وقد أحلها الله له ساعة من نهار ثم عادت محرمة)، أو معناها: أنت مقيم وحالّ في هذا البلد فزاد شرفه بوجودك. (وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ) أقسم بآدم وذريته، أو بكل والد وولده.
طبيعة الحياة: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) في مشقة وتعب ومكابدة لشدائد الدنيا والآخرة منذ ولادته وحتى موته.
غرور الإنسان: (أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ) أيظن الكافر القوي أن الله لا يقدر عليه؟ (يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً) أنفقت مالاً كثيراً (لبداً: متراكباً بعضه على بعض) في عداوة محمد ﷺ. (أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ) أيظن أن الله لم يره وهو ينفق ماله رياءً وباطلاً؟
نعم الله وهدايته: (أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ) أدوات العلم والبيان. (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) بيّنّا له طريق الخير وطريق الشر.
اقتحام العقبة: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) فهلا جاهد نفسه وتجاوز الطريق الصعب المؤدي للجنة بفعل الطاعات. (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ) تعظيم لشأنها. ثم فسرها بأعمال شاقة على النفس:
(فَكُّ رَقَبَةٍ) إعتاق عبد أو أسير.
(أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ) يوم مجاعة شديدة.
(يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ) يتيماً قريباً في النسب (فيجمع بين الصدقة والصلة).
(أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ) فقيراً شديد الفقر كأنه التصق بالتراب لفقره.
المصير: شرط هذه الأعمال لتُقبل: (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ). هؤلاء (أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) أصحاب اليمين والجنة. والذين كفروا (هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ) أصحاب الشمال والنار، (عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ) مطبقة ومغلقة عليهم لا يخرجون منها.
2. تفسير سورة الشمس (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا):
الأقسام الكونية: أقسم الله بأشياء عظيمة: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) ضوءها وحرارتها. (وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا) تبعها في الطلوع أو في النور. (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا) كشف الأرض وأوضحها. (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا) يغطي الأرض بظلامه. (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا). (وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا) بسطها ومهدها.
النفس البشرية: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا) خلقها وأتقنها، (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) بيّن لها طريق الشر وطريق الخير ومكّنها من اختيارهما.
جواب القسم: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا) فاز من طهر نفسه بطاعة الله. (وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) خسر من أخفاها وقمعها بالمعاصي (من الدس: إخفاء الشيء في التراب).
قصة ثمود: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا) بسبب طغيانها وتجاوزها الحد. (إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا) أسرع أشقاهم (قدار بن سالف) لعقر الناقة. (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ) صالح عليه السلام: (نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا) احذروا ناقة الله ولا تمنعوها شربها.
(فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا) قتلوها، (فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا) أطبق عليهم العذاب فأهلكهم وسوى عليهم الأرض. (وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا) الله تعالى لا يخاف عاقبة إهلاكهم وتبعاته كما يخاف الملوك.
3. تفسير سورة الليل (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى):
القسم: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) يغطي بظلمته. (وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) ظهر وبان. (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى) الخالق العظيم.
جواب القسم واختلاف الأعمال: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) أعمالكم مختلفة ومتباينة؛ فمنكم من يسعى للجنة ومنكم من يسعى للنار.
طريق اليسرى (الجنة): (فَأَمَّا مَن أَعْطَى) أنفق ماله في الخير، (وَاتَّقَى) خاف الله، (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) صدق بالخَلَف من الله، أو بالجنة، أو بكلمة التوحيد (لا إله إلا الله). (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) نهيئه ونوفقه للعمل الصالح الذي يوصله للجنة.
طريق العسرى (النار): (وَأَمَّا مَن بَخِلَ) بماله، (وَاسْتَغْنَى) عن ثواب الله، (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) نهيئه للشقاء وعمل الشر. (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) لا ينفعه ماله إذا سقط في جهنم.
بيان الحق: (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) علينا بيان طريق الحق من الباطل. (وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى) نملك الدنيا والآخرة.
الإنذار: (فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى) تتوقد وتلتهب. (لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى).
فضل الصديق رضي الله عنه: نزلت هذه الآيات في أبي بكر الصديق حين كان يشتري العبيد المسلمين ويعتقهم: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى) لا ينفق ليرد جميلاً لأحد، (إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى) سيعطيه الله حتى يرضى.