كتاب (تفسير النسفي) - جزء عم - الدرس السادس
1. تفسير سورة الضحى (وَالضُّحَى):
سبب النزول: تأخر الوحي (جبريل) عن النبي ﷺ أياماً، فقال المشركون: قد قلاه (أبغضه) ربه وودعه، فنزلت السورة تكذيباً لهم ومواساةً له.
القَسَم: (وَالضُّحَى) وقت ارتفاع الشمس وضوئها. (وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى) سكن بظلامه وغطى الأشياء.
الجواب والتطمين: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) ما تركك ربك وما أبغضك.
البشارة بالآخرة: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى) الدار الآخرة وما فيها من كرامات خير لك من هذه الدنيا الزائلة. (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) سيعطيك من الشفاعة في أمتك والكوثر ورفعة الشأن حتى ترضى تمام الرضا.
التذكير بنعم الله السابقة:
(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى) كنت يتيماً بوفاة أبويك، فآواك وضمك إلى كفالة جدك عبد المطلب ثم عمك أبي طالب.
(وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى) ضالاً: أي غافلاً لا تعرف شرائع النبوة وأحكام القرآن قبل الوحي (وليس ضلال الكفر حاشاه)، فهداك وعلمك ما لم تكن تعلم.
(وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى) عائلاً: فقيراً، فأغناك بمال خديجة وبما فتح عليك، وأغنى قلبك بالقناعة.
التوجيهات الثلاثة (شكر النعم):
(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ) لا تظلمه ولا تأخذ ماله ولا تذله (شكراً لنعمة الإيواء).
(وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ) لا تزجر من يسألك المال أو العلم، بل أعطه أو رده برفق (شكراً لنعمة الهداية والغنى).
(وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) اشكر نعم الله عليك وأظهرها وتحدث بها (وهو شكر عام).
2. تفسير سورة الشرح (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ):
شرح الصدر: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) ألم نوسع قلبك بالنبوة والحكمة وتلقي الوحي، (وقيل هو الشق الحسي لصدره الشريف لتطهيره). والاستفهام للتقرير.
تخفيف الأعباء: (وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ) حططنا عنك العبء الثقيل الذي كان يثقل ظهرك (والمقصود هموم الجاهلية، أو ثقل حمل أمانة الدعوة في بدايتها).
رفعة الشأن: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) أعلى الله شأنه في الدنيا والآخرة، فلا يُذكر الله في الأذان والإقامة والتشهد إلا ويُذكر معه محمد ﷺ.
القاعدة الربانية: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) تكررت للتأكيد. والعسر مُعرَّف بـ (أل) فهو واحد، واليسر مُنكَّر فهو متعدد، ولذلك قيل: "لن يغلب عسر يسرين".
التوجيه للعبادة: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ) إذا انتهيت من التبليغ أو من أمور دنياك، فانصب (أتعب نفسك) في العبادة والدعاء. (وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) اجعل رغبتك وتوكلك واعتمادك على الله وحده.
3. تفسير سورة التين (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ):
الأقسام بالأماكن المقدسة:
(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) أقسم بالتين والزيتون كناية عن (بلاد الشام وبيت المقدس) حيث يُنبتان، وهو مهبط المسيح عيسى عليه السلام.
(وَطُورِ سِينِينَ) جبل الطور بسيناء، حيث كلّم الله موسى عليه السلام.
(وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) مكة المكرمة الآمنة، مهبط الوحي على محمد ﷺ.
تكريم الإنسان: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) في أحسن صورة واعتدال وقوام وعقل.
الانتكاسة والمصير: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) إما بمعنى رددناه إلى أرذل العمر (الهرم والضعف) فتسقط التكاليف عنه. أو رددناه في أسفل دركات النار بسبب كفره وعناده بعدما خلقناه في أحسن صورة.
الاستثناء: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) أي أجر غير مقطوع (فالمؤمن إذا كبر وعجز، يُكتب له ما كان يعمله في شبابه).
الحجة على الكافر: (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ) ما الذي يجعلك أيها الإنسان تكذب بيوم الحساب (الدين) بعد كل هذه الأدلة على قدرتنا في خلقك؟
(أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) أليس هو أعدل العادلين ليجازي المحسن ويعاقب المسيء؟ بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين.
4. تفسير سورة العلق (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ):
أول الوحي: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) أول آيات نزلت في غار حراء. (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ) العلق: الدم المتجمد، للدلالة على قدرة الله في تحويل هذه القطعة إلى إنسان سوي.
فضل العلم: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) امتنّ الله على عباده بنعمة الكتابة بالقلم التي هي وسيلة حفظ العلوم ونقلها. (عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ).
طغيان الإنسان: (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) يتجاوز الحد ويتمرد إذا أحس بالغنى المادي واستغنى عن ربه (نزلت في أبي جهل، وتعم كل متكبر). (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى) تذكير بالعودة للحساب.
تهديد أبي جهل: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى) أبو جهل كان يتوعد وينهى النبي ﷺ عن الصلاة عند الكعبة.
(أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى) أي المنهي (النبي). (أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى) أي الناهي (أبو جهل). (أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) ألم يعلم أن الله مطلع على فعله؟
العقوبة: (كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ) لنجرّنه ونجذبنّه جذباً عنيفاً من ناصيته (مقدمة شعر رأسه)، (نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ) ناصية صاحبها كاذب ومخطئ.
(فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ) فليدع أهل ناديه وعشيرته لينصروه. (سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ) ملائكة العذاب الغلاظ الشداد ليعاقبوه.
الثبات: (كَلَّا لَا تُطِعْهُ) لا تطع أبا جهل فيما يأمرك به، (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب) استمر في صلاتك وسجودك لتقترب من ربك.