كتاب (تفسير النسفي) - جزء عم - الدرس الثامن
1. تفسير سورة القارعة (الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ):
اسم القيامة: (الْقَارِعَةُ) اسم من أسماء يوم القيامة، وسميت بذلك لأنها تقرع القلوب (أي تضربها وتفزعها) بأهوالها وشدائدها. (مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ) استفهام غرضه التهويل والتفخيم لشأنها.
حال الناس: (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ) الفراش هو الحشرات الطائرة التي تتساقط في النار، والمبثوث هو المتفرق المنتشر. شُبه الناس بالفراش في حيرتهم وضعفهم وتفرقهم وكثرتهم وسقوطهم في النار.
حال الجبال: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ) العهن هو الصوف المصبوغ بألوان مختلفة، والمنفوش هو المتناثر المندوف. شُبهت الجبال في خفتها وتطايرها وتفرق أجزائها بالصوف المنفوش بعد أن كانت صلبة ثقيلة.
موازين الأعمال: (فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) رجحت كفة حسناته على سيئاته، (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ) في الجنة يعيش حياة مرضية يرضاها صاحبها.
(وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ) رجحت سيئاته، أو لم تكن له حسنات أصلاً (كالكافر)، (فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) مأواه ومسكنه الذي يأوي إليه كما يأوي الطفل لأمه هو "الهاوية" (وهي اسم من أسماء جهنم لأن الكافر يهوي ويسقط فيها على رأسه).
(وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ) ما هي هذه الهاوية؟ (نَارٌ حَامِيَةٌ) نار شديدة الحرارة والوقود، بالغة نهاية الحرارة.
2. تفسير سورة التكاثر (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ):
الانشغال بالدنيا: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) أشغلكم وأغفلكم عن طاعة الله وعن الآخرة التباهي والتفاخر بكثرة الأموال والأولاد والرجال.
نهاية الغفلة: (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) استمر بكم هذا الانشغال حتى متم ودُفنتم في المقابر (وسمى الموت زيارة لأن القبر ليس الدار الدائمة، بل بعده بعث).
الوعيد والإنذار: (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) ردع وزجر وتأكيد للوعيد، أي سوف تعلمون عاقبة انشغالكم بالدنيا إذا نزل بكم الموت وفي الآخرة.
اليقين: (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ) لو تعلمون مآلكم علماً يقينياً جازماً لما ألهاكم التكاثر ولانشغلتم بالعمل للآخرة.
(لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) قسم أي والله لتبصرنّ جهنم يوم القيامة. (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ) مشاهدة بالعين يقيناً لا شك فيه.
السؤال عن النعيم: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) ستُسألون يوم القيامة عن كل نعم الدنيا (كالأمن، الصحة، الفراغ، الطعام المبرّد والشراب) هل شكرتم الله عليها أم استعنتم بها على معصيته؟
3. تفسير سورة العصر (وَالْعَصْرِ):
القسم: (وَالْعَصْرِ) أقسم الله بالزمن (الدهر) لما فيه من العجائب وتغير الأحوال، وهو رأس مال الإنسان في الحياة. وقيل: هو وقت صلاة العصر لفضلها.
الخسارة الشاملة: (إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ) جنس الإنسان في هلاك ونقصان وخسران في تجارته الدنيوية لأنه يبدد عمره فيما لا ينفع.
طريق النجاة (شروط أربعة): استثنى الله من الخسران من جمع أربع صفات:
(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا): الإيمان الصادق بالله ورسوله (العقيدة).
(وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ): أداء الفرائض والنوافل (العمل).
(وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ): أوصى ونصح بعضهم بعضاً بالتمسك بالحق (وهو الإسلام والتوحيد والعدل)، وهذا يدل على إيجاب الدعوة والأمر بالمعروف.
(وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ): أوصى بعضهم بعضاً بالصبر على طاعة الله، والصبر عن معاصي الله، والصبر على أقدار الله المؤلمة وأذى الناس في سبيل الدعوة.
4. تفسير سورة الهمزة (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ):
الوعيد للمغتابين: (وَيْلٌ) هلاك وعذاب ووادٍ في جهنم (لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ). الهُمَزة: الطعان المعياب الذي يغتاب الناس ويطعن فيهم بالإشارة والفعل. واللُّمزة: الذي يعيبهم بلسانه وكلامه.
جامع المال: (الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ) جمع المال وأحصاه وعدّه مرة بعد مرة لحبه الشديد له، ولم يؤدِّ حق الله فيه. (يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ) يظن بجهله أن ماله سيضمن له الخلود في الدنيا ولن يموت.
العقوبة في الحطمة: (كَلَّا) ردع له عن هذا الظن، (لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ) ليُطرحن ويُرمين محتقراً في جهنم، وسميت بـ (الحطمة) لأنها تحطم وتكسر كل ما يُلقى فيها لشدتها.
(وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ) أضافها الله لنفسه تعظيماً لشدتها وأنه هو الذي أوقدها غضباً على العصاة.
(الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ) تدخل نارها في أجوافهم حتى تصل إلى قلوبهم فتحرقها وهم أحياء لا يموتون، وخُصت القلوب لأنها مجمع العقائد الفاسدة وحب المال.
(إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ) مطبقة مغلقة الأبواب لئلا يخرجوا منها، ولتكون أشد حراً لعدم وجود متنفس.
(فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ) الأبواب مغلقة ومثبتة بأعمدة من نار ممتدة ممدودة خلف الأبواب لتوثيق إغلاقها، إيأساً لهم من الخروج.