كتاب (الحق المبين في الرد على من تلاعب بالدين) | الدرس الثالث: مفهوم الجاهلية وادعاء انقطاع الدين وحتمية الصدام
في هذا الدرس نواصل تفكيك البنية الفكرية للتيارات المتطرفة، ونستعرض ما تولد عن قضية (الحاكمية) من مفاهيم كارثية تتمثل في تعميم الجاهلية، وادعاء انقطاع الدين، واعتقاد حتمية الصدام مع المجتمع والعالم.
أولاً: الهوس بمصطلح الجاهلية والخلط المنهجي
تولد المفاهيم: من رحم فكرة "الحاكمية" انبثقت فكرة "الجاهلية" و"المفاصلة"، وحصل لرموز التطرف (كسيد قطب) خلط شديد انتهى بهم إلى الحكم على أهل العصر جميعاً بالجاهلية التي تعني عندهم التكفير.
الهوس باللفظ: كدليل على الهوس بالكلمة وسيطرة النظرة القاتمة، وردت كلمة (الجاهلية) في كتاب (في ظلال القرآن) 1740 مرة، بينما وردت كلمة (نور) 435 مرة تقريباً.
الخلط بين الفروع والاعتقاد: أخطأ سيد قطب بإدخال العمل والفروع الفقهية والأخلاق في صميم أمور الاعتقاد. هذا أدى به إلى زيادة في أصول الدين، وهو نفس مذهب "الخوارج" الذين جعلوا العمل شطراً من الإيمان فكفروا بالذنب.
ابتكار (توحيد الحاكمية): زعم قطب أن شهادة التوحيد لا تعتبر موجودة شرعاً إلا بإفراد الله بالحاكمية والشريعة في واقع الحياة.
تكفير المصلين المقصرين: اعتبر قطب أن من يقدم الشعائر لله (كالصلاة) ولكنه يقصر في الحاكمية فهو "مشرك" كالحنفاء الذين لم يعتبرهم أحد مسلمين.
ثانياً: تعميم الجاهلية وتكفير الأمة
الجاهلية ليست حقبة تاريخية: يرى قطب أن الجاهلية ليست فترة ماضية، بل هي "حالة ووضع" يوجد كلما أخذ البشر تشريعاتهم من بشر مثلهم، وأنها تعم وجه الأرض اليوم بلا استثناء.
تكفير المؤذنين والمصلين: ادعى أن البشرية ارتدت عن (لا إله إلا الله)، وأن الذين يرددونها على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها هم "أثقل إثماً وأشد عذاباً" لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد في نظره.
تسفيه المصلحين: استنكر على الدعاة انشغالهم بتصحيح الشعائر التعبدية أو الانحلال الأخلاقي، معتبراً أن ذلك "يطعن الدين طعنة نجلاء" لأنه يعطي "شهادة ضمنية" بوجود الدين في أوضاع يراها هو جاهلية تماماً.
ثالثاً: ادعاء انقطاع الدين وزوال الأمة
توقف وجود الدين: صرح قطب في كتابه (العدالة الاجتماعية) بأنه حين نستعرض وجه الأرض اليوم "لا نرى لهذا الدين وجوداً"، وأن هذا الوجود توقف منذ أن تخلت آخر مجموعة عن إفراد الله بالحاكمية.
انقطاع الأمة: صرّح في كتابه (معالم في الطريق) بأن "وجود الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة".
نقض الحديث النبوي: هذا الادعاء المظلم يتعارض جذرياً مع حفظ الله لأمته ومع حديث النبي ﷺ: "إني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها". وقد قال الإمام ابن عبد البر: "ومن خاف على أمة محمد ما لم يخفه عليها نبيها فقد جاء من التعسف بما لا يخفى".
رابعاً: حتمية الصدام والتسامح المقلوب
صراع الوجود: ادعى قطب أن مجرد وجود الإسلام يفرض عليه معركة طبيعية و"صداماً بين وجودين لا يمكن التعايش بينهما"، وأنه يجب سحق المجتمعات الجاهلية.
التطابق مع صامويل هانتنجتون: هذا الفكر يتطابق تماماً مع نظرية (صدام الحضارات) الغربية، ويتجاهل الآية الكريمة (لِتَعَارَفُوا) وسنة التعارف والهداية بين الأمم.
التسامح المقلوب: يزعم أن الإسلام يتسامح مع مخالفيه في العقيدة من الأديان الأخرى جهاراً نهاراً، ولكنه لا يتسامح أبداً مع المسلمين الذين تخالف أفعالُهم (في تطبيق الشريعة) أقوالَهم!.
النتيجة الدموية: هذا التصور جعل التنظيمات المتطرفة (كداعش والقاعدة) تنكفئ على المسلمين تسفك دماءهم وتنقض عهودهم، فتحولوا إلى حربة في نحور أهل الإسلام.
وصف السلف للخوارج: صدق في هذه التيارات وصف بعض السلف للخوارج بأنهم المعنيون بآية: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)